فصل: تفسير الآيات رقم (98- 99)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير البغوي المسمى بـ «معالم التنزيل» ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏59- 60‏]‏

‏{‏وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفًا ‏(‏59‏)‏ وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلا طُغْيَانًا كَبِيرًا ‏(‏60‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ‏}‏ التي سألها كفار قريش ‏{‏إِلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأوَّلُونَ‏}‏ فأهلكناهم فإن لم يؤمن قومك بعد إرسال الآيات أهلكتهم لأن من سنتنا في الأمم إذا سألوا الآيات ثم لم يؤمنوا بعد إتيانها أن نهلكهم ولا نمهلهم وقد حكمنا بإهلاك هذه الأمة بالعذاب فقال جل ذكره‏:‏ ‏"‏بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر‏"‏ ‏(‏القمر- 46‏)‏ ثم قال‏:‏

‏{‏وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً‏}‏ مضيئة بينة ‏{‏فَظَلَمُوا بِهَا‏}‏ أي‏:‏ جحدوا بها أنها من عند الله كما قال‏:‏ ‏"‏بما كانوا بآياتنا يظلمون‏"‏ الأعراف- 9‏)‏ أي‏:‏ يجحدون وقيل‏:‏ ظلموا أنفسهم بتكذيبها يريد فعاجلناهم بالعقوبة‏.‏

‏{‏وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ‏}‏ أي‏:‏ العبر والدلالات ‏{‏إِلا تَخْوِيفًا‏}‏ للعباد ليؤمنوا

قال قتادة إن الله تعالى يخوف الناس بما شاء من آياته لعلهم يرجعون‏.‏ قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ‏}‏ أي‏:‏ هم في قبضته لا يقدرون على الخروج عن مشيئته فهو حافظك ومانعك منهم فلا تهبهم وامض إلى ما أمرك به من تبليغ الرسالة كما قال‏:‏ ‏"‏والله يعصمك من الناس‏"‏ ‏(‏المائدة- 67‏)‏

‏{‏وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ‏}‏ فالأكثرون على أن المراد منه ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج من العجائب والآيات‏.‏

قال ابن عباس‏:‏ هي رؤيا عين أريها النبي صلى الله عليه وسلم وهو قول سعيد بن جبير والحسن ومسروق وقتادة ومجاهد وعكرمة وابن جريج والأكثرين والعرب تقول‏:‏ رأيت بعين رؤية ورؤيا فلما ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس أنكر بعضهم ذلك وكذبوا فكان فتنة للناس‏.‏

وقال قوم‏:‏ أسري بروحه دون بدنه‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ كان له معراجان‏:‏ معراج رؤية بالعين ومعراج رؤيا بالقلب‏.‏

وقال قوم‏.‏ أراد بهذه الرؤيا ما رأى صلى الله عليه وسلم عام الحديبية أنه دخل مكة هو وأصحابه فجعل السير إلى مكة قبل الأجل فصده المشركون فرجع إلى المدينة وكان رجوعه في ذلك العام بعدما أخبر أنه يدخلها فتنة لبعضهم حتى دخلها في العام المقبل فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏"‏لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق‏"‏ ‏(‏الفتح- 27‏.‏

‏{‏وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ‏}‏ يعني شجرة الزقوم، مجازه‏:‏ والشجرة الملعونة المذكورة في القرآن والعرب تقول لكل طعام كريه‏:‏ طعام ملعون‏.‏ وقيل‏:‏ معناه الملعون أكلها ونصب الشجرة عطفا على الرؤيا أي‏:‏ وما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة إلا فتنة للناس فكانت الفتنة في الرؤيا ما ذكرنا‏.‏

والفتنة في الشجرة الملعونة من وجهين أحدهما‏:‏ أن أبا جهل قال‏:‏ إن ابن أبي كبشة يوعدكم بنار تحرق الحجارة ثم يزعم أنه ينبت فيها شجرة وتعلمون أن النار تحرق الشجرة‏.‏

والثاني أن عبد الله بن الزبعري قال‏:‏ إن محمدا يخوفنا بالزقوم ولا نعرف الزقوم إلا الزبد والتمر وقال أبو جهل‏:‏ يا جارية تعالي فزقمينا فأتت بالتمر والزبد فقال‏:‏ يا قوم تزقموا فإن هذا ما يخوفكم به محمد فوصفها الله تعالى في الصافات‏.‏

وقيل‏:‏ الشجرة الملعونة هي‏:‏ التي تلتوي على الشجر فتجففه يعني الكشوث‏.‏

‏{‏وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ‏}‏ التخويف ‏{‏إِلا طُغْيَانًا كَبِيرًا‏}‏ أي‏:‏ تمردا وعتوا عظيما‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏60- 64‏]‏

‏{‏وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا ‏(‏61‏)‏ قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلا ‏(‏62‏)‏ قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا ‏(‏63‏)‏ وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ وَالأولادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا ‏(‏64‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا‏}‏ أي‏:‏ خلقته من طين أنا جئت به وذلك ما روي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس‏:‏ أن الله تعالى بعث إبليس حتى أخذ كفا من تراب الأرض من عذبها وملحها فخلق منه آدم فمن خلقه من العذب فهو سعيد وإن كان ابن كافرين ومن خلقه من الملح فهو شقي وإن كان ابن نبيين‏.‏ ‏{‏قَالَ‏}‏ يعني‏:‏ إبليس ‏{‏أَرَأَيْتَكَ‏}‏ أي‏:‏ أخبرني والكاف لتأكيد المخاطبة ‏{‏هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ‏}‏ أي‏:‏ فضلته علي ‏{‏لَئِنْ أَخَّرْتَنِي‏}‏ أمهلتني ‏{‏إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ‏}‏ أي‏:‏ لأستأصلنهم بالإضلال يقال‏:‏ احتنك الجراد الزرع إذا أكله كله وقيل هو من قول العرب حنك الدابة يحنكها‏:‏ إذا شد في حنكها الأسفل حبلا يقودها أي‏:‏ لأقودنهم كيف شئت وقيل لأستولين عليهم بالإغواء ‏{‏إِلا قَلِيلا‏}‏ يعني المعصومين الذين استثناهم الله عز وجل في قوله‏:‏ ‏"‏إن عبادي ليس لك عليهم سلطان‏"‏ الحجر- 42‏)‏‏.‏ ‏{‏قَالَ‏}‏ الله‏:‏ ‏{‏اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ‏}‏ أي‏:‏ جزاءك وجزاء أتباعك ‏{‏جَزَاءً مَوْفُورًا‏}‏ وافرا مكملا يقال‏:‏ وفرته أوفره وفرا‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَاسْتَفْزِزْ‏}‏ واستخفف واستجهد ‏{‏مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ‏}‏ أي‏:‏ من ذرية آدم ‏{‏بِصَوْتِكَ‏}‏ قال ابن عباس وقتادة‏:‏ بدعائك إلى معصية الله‏.‏ وكل داع إلى معصية الله فهو من جند إبليس‏.‏

قال الأزهري‏:‏ معناه ادعهم دعاء تستفزهم به إلى جانبك أي‏:‏ تستخفهم‏.‏

وقال مجاهد‏:‏ بالغناء والمزامير‏.‏

‏{‏وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ‏}‏ قيل‏:‏ اجمع عليهم مكايدك وخيلك، ويقال‏:‏ ‏"‏أجلبوا‏"‏ و‏"‏جلبوا‏"‏ إذا صاحوا يقول‏:‏ صِحْ بخيلك ورجلك وحُثَّهم عليه بالإغواء‏.‏

قال مقاتل‏:‏ استعن عليهم بركبان جندك ومشاتهم والخيل‏:‏ الركبان والرجل‏:‏ المشاة‏.‏

قال أهل التفسير‏:‏ كل راكب وماش في معاصي الله فهو من جند إبليس‏.‏

وقال مجاهد وقتادة‏:‏ إن له خيلا ورجلا من الجن والإنس، وهو كل من يقاتل في المعصية والرجل والرجالة والراجلة واحد يقال‏:‏ راجل ورجل مثل‏:‏ تاجر وتجر وراكب وركب وقرأ حفص ورجلك بكسر الجيم وهما لغتان‏.‏

‏{‏وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ وَالأولادِ‏}‏ فالمشاركة في الأموال‏:‏ كل ما أصيب من حرام أو أنفق في حرام هذا قول مجاهد والحسن وسعيد بن جبير‏.‏

وقال عطاء‏:‏ هو الربا وقال قتادة هو ما كان المشركون يحرمونه من الأنعام كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام‏.‏

وقال الضحاك‏:‏ هو ما كانوا يذبحونه لآلهتهم‏.‏

وأما الشركة في الأولاد‏:‏ روي عن ابن عباس‏:‏ أنها المؤودة‏.‏

وقال مجاهد والضحاك‏:‏ هم أولاد الزنا‏.‏

وقال الحسن، وقتادة‏:‏ هو أنهم هودوا أولادهم ونصروهم ومجسوهم‏.‏

وعن ابن عباس رواية أخرى‏:‏ هو تسميتهم الأولاد عبد الحارث وعبد شمس وعبد العزى وعبد الدار ونحوها‏.‏

وروي عن جعفر بن محمد أن الشيطان يقعد على ذكر الرجل فإذا لم يقل‏:‏ ‏"‏بسم الله‏"‏ أصاب معه امرأته وأنزل في فرجها كما ينزل الرجل‏.‏

وروي في بعض الأخبار‏:‏ إن فيكم مغربين قيل‏:‏ وما المغربون‏؟‏ قال‏:‏ الذين يشارك فيهم الجن‏.‏

وروي أن رجلا قال لابن عباس‏:‏ إن امرأتي استيقظت وفي فرجها شعلة من نار‏؟‏ قال‏:‏ ذلك من وطء الجن‏.‏

وفي الآثار‏:‏ أن إبليس لما أخرج إلى الأرض قال‏:‏ يا رب أخرجتني من الجنة لأجل آدم فسلطني عليه وعلى ذريته قال‏:‏ أنت مسلط فقال‏:‏ لا أستطيعه إلا بك فزدني قال‏:‏ استفزز من استطعت منهم بصوتك الآية فقال آدم‏:‏ يا رب سلطت إبليس علي وعلى ذريتي وإني لا أستطيعه إلا بك قال‏:‏ لا يولد لك ولد إلا وكلت به من يحفظونه قال‏:‏ زدني قال‏:‏ الحسنة بعشر أمثالها والسيئة بمثلها قال‏:‏ زدني قال‏:‏ التوبة معروضة ما دام الروح في الجسد فقال‏:‏ زدني قال‏:‏ ‏"‏يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم‏"‏ الآية ‏(‏الزمر- 53‏)‏‏.‏

وفي الخبر‏:‏ أن إبليس قال‏:‏ يا رب بعثت أنبياء وأنزلت كتبا فما قراءتي‏؟‏ قال‏:‏ الشعر قال‏:‏ فما كتابي‏؟‏ قال‏:‏ الوشم قال‏:‏ ومن رسلي‏؟‏ قال‏:‏ الكهنة قال‏:‏ وأين مسكني‏؟‏ قال الحمامات قال‏:‏ وأين مجلسي‏؟‏ قال‏:‏ الأسواق قال‏:‏ أي شيء مطعمي‏؟‏ قال‏:‏ ما لم يذكر عليه اسمي قال‏:‏ ما شرابه‏؟‏ قال‏:‏ كل مسكر قال‏:‏ وما حبالي‏؟‏ قال النساء قال‏:‏ وما أذاني‏؟‏ قال‏:‏ المزامير‏.‏

قوله عز وجل ‏{‏وَعِدْهُمْ‏}‏ أي‏:‏ منهم الجميل في طاعتك‏.‏ وقيل‏:‏ قل لهم‏:‏ لا جنة ولا نار ولا بعث‏.‏

‏{‏وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا‏}‏ والغرور تزيين الباطل بما يظن أنه حق‏.‏

فإن قيل‏:‏ كيف ذكر الله هذه الأشياء وهو يقول‏:‏ ‏"‏إن الله لا يأمر بالفحشاء‏"‏ ‏(‏الأعراف- 28‏)‏‏؟‏

قيل‏:‏ هذا على طريق التهديد كقوله تعالى‏:‏ ‏"‏اعملوا ما شئتم‏"‏ ‏(‏فصلت- 40‏)‏ وكقول القائل‏:‏ افعل ما شئت فسترى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏65- 69‏]‏

‏{‏إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا ‏(‏65‏)‏ رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ‏(‏66‏)‏ وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإنْسَانُ كَفُورًا ‏(‏67‏)‏ أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلا ‏(‏68‏)‏ أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا ‏(‏69‏)‏‏}‏‏.‏

قوله ‏{‏إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا‏}‏ أي حافظا من يوكل الأمر إليه‏.‏ قوله عز وجل ‏{‏رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ‏}‏ أي‏:‏ يسوق ويجري لكم الفلك ‏{‏فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ‏}‏ لتطلبوا من رزقه ‏{‏إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا‏}‏ ‏{‏وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ‏}‏ الشدة وخوف الغرق ‏{‏فِي الْبَحْرِ ضَلَّ‏}‏ أي‏:‏ بطل وسقط ‏{‏مَنْ تَدْعُونَ‏}‏ من الآلهة ‏{‏إِلا إِيَّاهُ‏}‏ إلا الله فلم تجدوا مغيثا غيره وسواه ‏{‏فَلَمَّا نَجَّاكُمْ‏}‏ أجاب دعاءكم وأنجاكم من هول البحر وأخرجكم ‏{‏إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ‏}‏ عن الإيمان والإخلاص والطاعة كفرا منكم لنعمه ‏{‏وَكَانَ الإنْسَانُ كَفُورًا‏}‏ ‏{‏أَفَأَمِنْتُمْ‏}‏ بعد ذلك ‏{‏أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ‏}‏ يغور بكم ‏{‏جَانِبَ الْبَرِّ‏}‏ ناحية البر وهي الأرض ‏{‏أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا‏}‏ أي‏:‏ يمطر عليكم حجارة من السماء كما أمطر على قوم لوط وقال أبو عبيدة والقتيبي‏:‏ الحاصب الريح التي ترمي بالحصباء وهي الحصا الصغار ‏{‏ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلا‏}‏ قال قتادة‏:‏ مانعا‏.‏ ‏{‏أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ‏}‏ يعني في البحر ‏{‏تَارَةً‏}‏ مرة ‏{‏أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ أي‏:‏ عاصفا وهي الريح الشديدة‏.‏

وقال أبو عبيدة‏:‏ هي الريح التي تقصف كل شيء أي تدقه وتحطمه‏.‏

وقال القتيبي‏:‏ هي التي تقصف الشجر أي تكسره‏.‏

‏{‏فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا‏}‏ ناصرا ولا ثائرا و‏"‏تبيع‏"‏ بمعنى تابع أي تابعا مطالبا بالثأر‏.‏ وقيل‏:‏ من يتبعنا بالإنكار‏.‏

قرأ ابن كثير وأبو عمرو ‏"‏أن نخسف ونرسل ونعيدكم فنرسل فنغرقكم‏"‏ بالنون فيهن لقوله ‏"‏علينا‏"‏ وقرأ الآخرون بالياء لقوله‏"‏ ‏"‏إلا إياه‏"‏ وقرأ أبو جعفر ويعقوب‏:‏ ‏"‏ فتغرقكم ‏"‏ بالتاء يعني الريح‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏70‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا ‏(‏70‏)‏‏}‏‏.‏

قوله عز وجل ‏{‏وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ‏}‏ روي عن ابن عباس أنه قال‏:‏ هو أنهم يأكلون بالأيدي وغير الآدمي يأكل بفيه من الأرض وروي عنه أنه قال‏:‏ بالعقل‏.‏

وقال الضحاك‏:‏ بالنطق وقال عطاء‏:‏ بتعديل القامة وامتدادها والدواب منكبة على وجوهها وقيل‏:‏ بحسن الصورة وقيل‏:‏ الرجال باللحى والنساء بالذوائب وقيل‏:‏ بأن سخر لهم سائر الأشياء وقيل‏:‏ بأن منهم خير أمة أخرجت للناس‏.‏

‏{‏وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ‏}‏ أي‏:‏ حملناهم في البر على الدواب وفي البحر على السفن‏.‏

‏{‏وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ‏}‏ يعني‏:‏ لذيذ المطاعم والمشارب قال مقاتل‏:‏ السمن والزبد والتمر والحلوى وجعل رزق غيرهم ما لا يخفى‏.‏

‏{‏وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا‏}‏ وظاهر الآية أنه فضلهم على كثير ممن خلقهم لا على الكل‏.‏

وقال قوم‏:‏ فضلوا على جميع الخلق إلا على الملائكة‏.‏

وقال الكلبي‏:‏ فضلوا على الخلائق كلهم إلا على طائفة من الملائكة‏:‏ جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت وأشباههم‏.‏

وفي تفضيل الملائكة على البشر اختلاف فقال قوم‏:‏ فضلوا على جميع الخلق وعلى الملائكة كلهم وقد يوضع الأكثر موضع الكل كما قال تعالى‏:‏ ‏"‏هل أنبئكم على من تنزل الشياطين‏"‏ إلى قوله تعالى‏:‏ ‏"‏وأكثرهم كاذبون‏"‏ ‏(‏الشعراء- 221- 222‏)‏ أي‏:‏ كلهم‏.‏

وفي الحديث عن جابر يرفعه قال‏:‏ ‏"‏لما خلق الله آدم وذريته قالت الملائكة‏:‏ يا رب خلقتهم يأكلون ويشربون وينكحون فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة فقال تعالى‏:‏ لا أجعل من خلقته بيدي ونفخت فيه من روحي كمن قلت له‏:‏ كن فكان‏"‏‏.‏

والأولى أن يقال‏:‏ عوام المؤمنين أفضل من عوام الملائكة وخواص المؤمنين أفضل من خواص الملائكة قال الله تعالى‏:‏ ‏"‏إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية‏"‏ ‏(‏البينة- 7‏)‏‏.‏

وروي عن أبي هريرة أنه قال‏:‏ ‏"‏المؤمن أكرم على الله من الملائكة الذين عنده‏"‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏71‏]‏

‏{‏يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا ‏(‏71‏)‏‏}‏‏.‏

قوله عز وجل ‏{‏يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِم‏}‏ قال مجاهد وقتادة‏:‏ بنبيهم وقال أبو صالح والضحاك‏:‏ بكتابهم الذي أنزل عليهم‏.‏

وقال الحسن وأبو العالية‏:‏ بأعمالهم‏.‏

وقال قتادة أيضا‏:‏ بكتابهم الذي فيه أعمالهم بدليل سياق الآية‏.‏

‏{‏فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ‏}‏ ويسمى الكتاب إماما كما قال عز وجل‏:‏ ‏"‏وكل شيء أحصيناه في إمام مبين‏"‏ ‏(‏يس- 12‏)‏‏.‏

وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ بإمام زمانهم الذي دعاهم في الدنيا إلى ضلالة أو هدى قال الله تعالى‏:‏ ‏"‏وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا‏"‏ ‏(‏الأنبياء- 73‏)‏ وقال‏:‏ ‏"‏وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار‏"‏ ‏(‏القصص- 41‏)‏‏.‏

وقيل‏:‏ بمعبودهم وعن سعيد بن المسيب قال‏:‏ كل قوم يجتمعون إلى رئيسهم في الخير والشر‏.‏

وقال محمد بن كعب‏:‏ ‏{‏بِإِمَامِهِم‏}‏ قيل‏:‏ يعني بأمهاتهم وفيه ثلاثة أوجه من الحكمة أحدها‏:‏ لأجل عيسى عليه السلام والثاني‏:‏ لشرف الحسن والحسين والثالث‏:‏ لئلا يفتضح أولاد الزنا‏.‏

‏{‏فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا‏}‏ أي لا ينقص من حقهم قدر فتيل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏72‏]‏

‏{‏وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلا ‏(‏72‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى‏}‏ اختلفوا في هذه الإشارة فقال قوم‏:‏ هي راجعة إلى النعم التي عددها الله تعالى في هذه الآيات من قوله‏:‏ ‏{‏رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ‏}‏ إلى قوله ‏{‏تَفْضِيلا‏}‏ يقول‏:‏ من كان منكم في هذه النعم التي قد عاين أعمى ‏{‏فَهُوَ فِي‏}‏ أمر ‏{‏الآخِرَةِ‏}‏ التي لم يعاين ولم ير ‏{‏أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلا‏}‏ يروى هذا عن ابن عباس‏.‏

وقال الآخرون‏:‏ هي راجعة إلى الدنيا يقول‏:‏ من كان في هذه الدنيا أعمى القلب عن رؤية قدرة الله وآياته ورؤية الحق فهو في الآخرة أعمى أي‏:‏ أشد عمى وأضل سبيلا أي‏:‏ أخطأ طريقا‏.‏

وقيل‏:‏ من كان في هذه الدنيا أعمى عن الاعتبار فهو في الآخرة أعمى عن الاعتذار‏.‏

وقال الحسن‏:‏ من كان في هذه الدنيا ضالا كافرا فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا لأنه في الدنيا تقبل توبته وفي الآخرة لا تقبل توبته‏.‏

وأمال بعض القراء هذين الحرفين وفتحهما بعضهم وكان أبو عمرو يكسر الأول ويفتح الثاني فهو في الآخرة أشد عمى لقوله ‏"‏وأضل سبيلا‏"‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏73‏]‏

‏{‏وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلا ‏(‏73‏)‏‏}‏‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ‏}‏ الآية اختلفوا في سبب نزولها‏:‏

قال سعيد بن جبير‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم يستلم الحجر الأسود فمنعته قريش وقالوا‏:‏ لا تلم حتى تلم بآلهتنا وتمسها فحدث نفسه‏:‏ ما علي أن أفعل ذلك والله تعالى يعلم أني لها كاره بعد أن يدعوني حتى أستلم الحجر الأسود‏.‏

وقيل‏:‏ طلبوا منه أن يمس آلهتهم حتى يسلموا ويتبعوه فحدث نفسه بذلك فأنزل الله هذه الآية‏.‏

قال ابن عباس‏:‏ قدم وفد ثقيف على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ نبايعك على أن تعطينا ثلاث خصال قال‏:‏ وما هن‏؟‏ قالوا‏:‏ أن لا ننحني- أي في الصلاة- ولا نكسر أصنامنا بأيدينا وأن تمتعنا باللات سنة من غير أن نعبدها‏.‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لا خير في دين لا ركوع فيه ولا سجود وأما أن تكسروا أصنامكم بأيديكم فذاك لكم وأما الطاغية- يعني اللات والعزى- فإني غير ممتعكم بها‏"‏ فقالوا‏:‏ يا رسول الله إنا نحب أن تسمع العرب أنك أعطيتنا ما لم تعط غيرنا فإن خشيت أن تقول العرب أعطيتهم ما لم تعطنا فقل‏:‏ الله أمرني بذلك‏؟‏ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فطمع القوم في سكوته أن يعطيهم ذلك فأنزل الله عز وجل هذه الآية‏.‏ ‏{‏وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ‏}‏ ليصرفونك ‏{‏عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ‏}‏ ‏{‏لِتَفْتَرِيَ‏}‏ لتختلق ‏{‏عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا‏}‏ لو فلعت ما دعوك إليه ‏{‏لاتَّخَذُوكَ خَلِيلا‏}‏ أي‏:‏ والوك وصافوك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏74- 76‏]‏

‏{‏وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا ‏(‏74‏)‏ إِذًا لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ‏(‏75‏)‏ وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلا قَلِيلا ‏(‏76‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ‏}‏ على الحق بعصمتنا ‏{‏لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ‏}‏ أي‏:‏ تميل ‏{‏إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا‏}‏ أي‏:‏ قريبا من الفعل‏.‏

فإن قيل‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم معصوما فكيف يجوز أن يقرب مما طلبوه وما طلبوه كفر‏؟‏

قيل‏:‏ كان ذلك خاطر قلب ولم يكن عزما وقد غفر الله عز وجل عن حديث النفس‏.‏

قال قتادة‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول بعد ذلك‏:‏ ‏"‏اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين‏"‏‏.‏

والجواب الصحيح هو أن الله تعالى قال‏:‏ ‏{‏وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا‏}‏ وقد ثبته الله ولم يركن وهذا مثل قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا‏"‏ ‏(‏النساء- 83‏)‏ وقد تفضل فلم يتبعوا‏.‏ ‏{‏إِذًا لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ‏}‏ أي‏:‏ لو فعلت ذلك لأذقناك ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات يعني‏:‏ أضعفنا لك العذاب في الدنيا والآخرة‏.‏

وقيل‏:‏ ‏"‏الضعف‏"‏‏:‏ هو العذاب سمي ضعفا لتضاعف الألم فيه‏.‏

‏{‏ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا‏}‏ أي‏:‏ ناصرا يمنعك من عذابنا‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا‏}‏ اختلفوا في معنى الآية فقال بعضهم‏:‏ هذه الآية مدنية قال الكلبي‏:‏ لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة كره اليهود مقامه بالمدينة حسدا منهم فأتوه وقالوا‏:‏ يا أبا القاسم لقد علمت ما هذه بأرض الأنبياء فإن أرض الأنبياء الشام وهي الأرض المقدسة وكان بها إبراهيم والأنبياء عليهم الصلاة والسلام فإن كنت نبيا مثلهم فأت الشام وإنما يمنعك من الخروج إليها مخافتك الروم وإن الله سيمنعك من الروم إن كنت رسوله فعسكر النبي صلى الله عليه وسلم على ثلاثة أميال من المدينة وفي رواية‏:‏ إلى ذي الحليفة حتى يجتمع إليه أصحابه ويخرج فأنزل الله هذه الآية و‏"‏الأرض‏"‏ هاهنا هي المدينة‏.‏

وقال مجاهد وقتادة‏:‏ ‏"‏الأرض‏"‏ أرض مكة والآية مكية هم المشركون أن يخرجوه منها فكفهم الله عنه حتى أمره بالهجرة فخرج بنفسه وهذا أليق بالآية لأن ما قبلها خبر عن أهل مكة والسورة مكية‏.‏

وقيل‏:‏ هم الكفار كلهم أرادوا أن يستفزوه من أرض العرب باجتماعهم وتظاهرهم عليه فمنع الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم ولم ينالوا منه ما أملوا والاستفزاز هو الإزعاج بسرعة‏.‏

‏{‏وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ‏}‏ أي بعدك وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص ويعقوب ‏{‏خِلافَكَ‏}‏ اعتبارا بقوله تعالى‏:‏ ‏"‏فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله‏"‏ ‏(‏التوبة- 81‏)‏ ومعناهما واحد‏.‏ ‏{‏إِلا قَلِيلا‏}‏ أي‏:‏ لا يلبثون بعدك إلا قليلا حتى يهلكوا فعلى هذا القول الأول‏:‏ مدة حياتهم وعلى الثاني‏:‏ ما بين خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة إلى أن قتلوا ببدر‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏77‏]‏

‏{‏سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلا ‏(‏77‏)‏‏}‏‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا‏}‏ أي‏:‏ كسنتنا فانتصب بحذف الكاف وسنة الله في الرسل إذا كذبتهم الأمم أن لا يعذبهم ما دام نبيهم بين أظهرهم فإذا خرج نبيهم من بين أظهرهم عذبهم‏.‏

‏{‏وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلا‏}‏ أي تبديلا‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏78‏]‏

‏{‏أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ‏(‏78‏)‏‏}‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ‏}‏ اختلفوا في الدلوك‏:‏ روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال‏:‏ الدلوك هو الغروب وهو قول إبراهيم النخعي ومقاتل بن حيان والضحاك والسدي‏.‏

وقال ابن عباس‏:‏ وابن عمر وجابر‏:‏ هو زوال الشمس وهو قول عطاء وقتادة ومجاهد والحسن وأكثر التابعين‏.‏

ومعنى اللفظ يجمعهما لأن أصل الدلوك الميل والشمس تميل إذا زالت وغربت‏.‏

والحمل على الزوال أولى القولين لكثرة القائلين به ولأنا إذا حملناه عليه كانت الآية جامعة لمواقيت الصلاة كلها ‏"‏فدلوك الشمس‏"‏‏:‏ يتناول صلاة الظهر والعصر و‏"‏إلى غسق الليل‏"‏‏:‏ يتناول المغرب والعشاء و‏"‏قرآن الفجر‏"‏‏:‏ هو صلاة الصبح‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ‏}‏ أي‏:‏ ظهور ظلمته وقال ابن عباس‏:‏ بدو الليل وقال قتادة‏:‏ وقت صلاة المغرب وقال مجاهد‏:‏ غروب الشمس‏.‏

‏{‏وَقُرْآنَ الْفَجْرِ‏}‏ يعني‏:‏ صلاة الفجر سمي صلاة الفجر قرآنا لأنها لا تجوز إلا بقرآن وانتصاب القرآن من وجهين أحدهما‏:‏ أنه عطف على الصلاة أي‏:‏ وأقم قرآن الفجر قاله الفراء وقال أهل البصرة‏:‏ على الإغراء أي وعليك قرآن الفجر‏.‏

‏{‏إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا‏}‏ أي‏:‏ يشهده ملائكة الليل وملائكة النهار‏.‏

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنبأنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا أبو اليمان أنبأنا شعيب عن الزهري أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏تفضل صلاة الجميع على صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين جزءا وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر‏"‏ ثم يقول أبو هريرة‏:‏ اقرؤوا إن شئتم‏:‏ ‏{‏إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا‏}‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏79‏]‏

‏{‏وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ‏(‏79‏)‏‏}‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ‏}‏ أي‏:‏ قم بعد نومك والتهجد لا يكون إلا بعد النوم يقال‏:‏ تهجد إذا قام بعدما نام وهجد إذا نام‏.‏

والمراد من الآية‏:‏ قيام الليل للصلاة‏.‏

وكانت صلاة الليل فريضة على النبي صلى الله عليه وسلم في الابتداء وعلى الأمة لقوله تعالى‏:‏ ‏"‏يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا‏"‏ ‏(‏المزمل- 1‏)‏ ثم نزل التخفيف فصار الوجوب منسوخا في حق الأمة بالصلوات الخمس وبقي الاستحباب‏:‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏"‏فاقرؤوا ما تيسر منه‏"‏ ‏(‏المزمل- 20‏)‏ وبقي الوجوب في حق النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

وروي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ثلاث هن علي فريضة وهن سنة لكم الوتر والسواك وقيام الليل‏"‏‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏نَافِلَةً لَكَ‏}‏ أي‏:‏ زيادة لك يريد‏:‏ فضيلة زائدة على سائر الفرائض فرضها الله عليك‏.‏

وذهب قوم إلى أن الوجوب صار منسوخا في حقه كما في حق الأمة فصارت نافلة وهو قول مجاهد وقتادة لأن الله تعالى قال‏:‏ ‏"‏نافلة لك‏"‏ ولم يقل عليك‏.‏

فإن قيل‏:‏ فما معنى التخصيص وهي زيادة في حق كافة المسلمين كما في حقه صلى الله عليه وسلم‏؟‏

قيل‏:‏ التخصيص من حيث إن نوافل العباد كفارة لذنوبهم والنبي صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فكانت نوافله لا تعمل في كفارة الذنوب فتبقى له زيادة في رفع الدرجات‏.‏

أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي أخبرنا أبو سعيد الهيثم بن كليب حدثنا أبو عيسى الترمذي حدثنا قتيبة وبشر بن معاذ قالا حدثنا أبو عوانة عن زياد بن علاقة عن المغيرة بن شعبة قال‏:‏ قام النبي صلى الله عليه وسلم حتى انتفخت قدماه فقيل له‏:‏ أتتكلف هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏أفلا أكون عبدا شكورا‏"‏‏.‏

أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن عبد الله بن أبي بكرة عن أبيه عن عبد الله بن قيس بن مخرمة أنه أخبره عن زيد بن خالد الجهني أنه قال‏:‏ ‏"‏لأرمقن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم الليلة فتوسدت عتبته أو فسطاطه فقام فصلى ركعتين خفيفتين ثم صلى ركعتين طويلتين ثم صلى ركعتين دون اللتين قبلهما ثم صلى ركعتين دون اللتين قبلهما ثم صلى ركعتين دون التين قبلهما ثم أوتر فذلك ثلاث عشرة ركعة‏.‏

أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه أخبره أنه سأل عائشة رضي الله عنها‏:‏ كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان‏؟‏ قال‏:‏ فقالت ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي ثلاثا‏.‏ قالت عائشة فقلت‏:‏ يا رسول الله أتنام قبل أن توتر‏؟‏ فقال‏:‏ ‏"‏يا عائشة إن عيني تنامان ولا ينام قلبي‏"‏‏.‏

أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أخبرنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسن الإسفرايني أخبرنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق أخبرنا يونس بن هارون بن عبد الأعلى أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس وابن أبي ذئب وعمر بن الحارث أن ابن شهاب أخبرهم عن عروة بن الزبير عن عائشة قالت‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة يسلم من كل ركعتين ثم يوتر بواحدة فيسجد السجدة قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه فإذا سكت المؤذن من أذان الفجر وتبين له الفجر قام فركع ركعتين خفيفتين ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة فيخرج‏"‏ وبعضهم يزيد على بعض‏.‏

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي أخبرنا عبد الرحمن بن منيب أخبرنا يزيد بن هارون أخبرنا حميد الطويل عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال‏:‏ ما كنا نشاء أن نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الليل مصليا إلا رأيناه ولا نشاء أن نراه نائما إلا رأيناه وقال‏:‏ كان يصوم من الشهر حتى نقول لا يفطر منه شيئا ويفطر حتى نقول لا يصوم منه شيئا‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا‏}‏ عسى من الله تعالى واجب لأنه لا يدع أن يعطي عباده أو يفعل بهم ما أطمعهم فيه‏.‏

والمقام المحمود هو‏:‏ مقام الشفاعة لأمته لأنه يحمده فيه الأولون والآخرون‏:‏ أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني حدثنا حميد بن زنجويه أخبرنا عبد الله بن يزيد المقري أخبرنا حياة عن كعب عن علقمة عن عبد الرحمن بن جبير عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول‏:‏ ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا ينبغي أن تكون إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة‏"‏‏.‏

أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا علي بن عباس حدثنا سعيد بن أبي حمزة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة‏"‏‏.‏

أخبرنا أبو حامد أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي أخبرنا عبد الرحيم بن منيب أخبرنا يعلى عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إن لكل نبي دعوة مستجابة وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي وهي نائلة منكم- إن شاء الله- من مات لا يشرك بالله شيئا‏"‏‏.‏

أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل قال‏:‏ وقال حجاج بن منهال حدثنا همام بن يحيى حدثنا قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏يحبس المؤمنون يوم القيامة حتى يهتموا بذلك فيقولون‏:‏ لو استشفعنا إلى ربنا فيريحنا من مكاننا فيأتون آدم فيقولون‏:‏ أنت آدم أبو الناس خلقك الله بيده وأسكنك جنته وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء اشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا فيقول‏:‏ لست هناكم ويذكر خطيئته التي أصاب وأكله من الشجرة وقد نهي عنها ولكن ائتوا نوحا أول نبي بعثه الله إلى أهل الأرض‏.‏

فيأتون نوحا فيقول‏:‏ لست هناكم ويذكر خطيئته التي أصاب سؤاله ربه بغير علم ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن قال فيأتون إبراهيم فيقول‏:‏ إني لست هناكم ويذكر ثلاث كذبات كذبهن ولكن ائتوا موسى عبدا آتاه الله التوراة وكلمه وقربه نجيا‏.‏

قال‏:‏ فيأتون موسى فيقول إني لست هناكم ويذكر خطيئته التي أصاب بقتل النفس ولكن ائتوا عيسى عبد الله ورسوله وروح الله وكلمته‏.‏

فيأتون عيسى فيقول‏:‏ لست هناكم ولكن ائتوا محمدا عبدا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر‏.‏

قال‏:‏ فيأتوني فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه فإذا رأيته وقعت ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقول‏:‏ ارفع رأسك يا محمد وقل تسمع واشفع تشفع وسل تعطه قال‏:‏ فأرفع رأسي فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه ثم أشفع فيحد لي حدا فأخرج فأخرجهم فأدخلهم الجنة‏.‏

قال قتادة‏:‏ وسمعته أيضا يقول‏:‏ فأخرج فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة، ثم أعود فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه فإذا رأيته وقعت ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقول‏:‏ ارفع رأسك يا محمد وقل تسمع واشفع تشفع وسل تعطه قال‏:‏ فأرفع رأسي فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه ثم أشفع فيحد لي حدا فأخرج فأدخلهم الجنة ثم أعود الثالثة فأستأذن على ربي في داره فيؤذن لي عليه فإذا رأيته وقعت ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقول ارفع رأسك يا محمد وقل تسمع واشفع تشفع وسل تعطه قال‏:‏ فأرفع رأسي فأثني على ربي بثناء وتحميد يعلمنيه ثم أشفع فيحد لي حدا فأخرج فأدخلهم الجنة‏"‏‏.‏

قال قتادة‏:‏ وقد سمعته أيضا يقول‏:‏ ‏"‏فأخرج فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة حتى ما يبقى في النار إلا من حبسه القرآن‏"‏- أي وجب عليه الخلود- قال‏:‏ ثم تلا هذه الآية‏:‏ ‏{‏عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا‏}‏ قال‏:‏ ‏"‏وهذا المقام المحمود الذي وعده نبيكم صلى الله عليه وسلم‏"‏‏.‏

وبهذا الإسناد قال‏:‏ حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد حدثنا معبد بن هلال الغزي قال‏:‏ ذهبنا إلى أنس بن مالك فذكر حديث الشفاعة بمعناه وقال‏:‏ ‏"‏فأستأذن على ربي فيؤذن لي ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن فأحمده بتلك المحامد وأخر له ساجدا فيقال‏:‏ يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع فأقول‏:‏ يا رب أمتي أمتي فيقول‏:‏ انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان فأنطلق فأفعل ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا وذكر مثله فيقال‏:‏ ‏"‏انطلق فأخرج من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من الإيمان فأنطلق فأفعل ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا وذكر مثله ثم يقال‏:‏ انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان فأنطلق فأفعل فلما خرجنا من عند أنس مررنا بالحسن فسلمنا عليه فحدثناه بالحديث إلى هذا الموضع فقال‏:‏ هيه فقلنا‏:‏ لم يزدنا على هذا فقال‏:‏ لقد حدثني وهو يومئذ جميع منذ عشرين سنة كما حدثكم ثم قال‏:‏ ثم أعود الرابعة فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدا فيقال‏:‏ يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع فأقول يا ربي أتأذن فيمن قال لا إله إلا الله‏؟‏ فيقول‏:‏ وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله‏"‏‏.‏

وروي عن عبد الله بن عمر قال‏:‏ ‏"‏إن الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأذن فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد صلى الله عليه وسلم فيشفع ليقضى بين الخلق فيمشي حتى يأخذ بحلقة الباب فيومئذ يبعثه الله مقاما محمودا يحمده أهل الجمع كلهم‏"‏‏.‏

وأخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف بن محمد بن ماموية حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان حدثنا محمد بن حموية حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا منصور بن أبي الأسود حدثنا الليث عن الربيع بن أنس عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏أنا أولهم خروجا إذا بعثوا وأنا قائدهم إذا وفدوا وأنا خطيبهم إذا أنصتوا وأنا شفيعهم إذا حبسوا وأنا مبشرهم إذا أيسوا الكرامة والمفاتيح يومئذ بيدي ولواء الحمد يومئذ بيدي وأنا أكرم ولد آدم على ربي يطوف علي ألف خادم كأنهم بيض مكنون أو لؤلؤ منثور‏"‏‏.‏

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أخبرنا عبد الغافر بن محمد أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان حدثنا مسلم بن الحجاج حدثني الحكم بن موسى حدثنا معقل بن زياد عن الأوزاعي حدثني أبو عمار حدثني عبد الله بن فروخ حدثني أبو هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع‏"‏

والأخبار في الشفاعة كثيرة وأول من أنكرها عمرو بن عبيد وهو مبتدع باتفاق أهل السنة‏.‏

وروي عن يزيد بن صهيب الفقير قال‏:‏ كنت قد شغفني رأي من رأي الخوارج وكنت رجلا شابا فخرجنا في عصابة نريد أن نحج فمررنا على المدينة فإذا جابر بن عبد الله يحدث القوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الجهنميين فقلت له‏:‏ يا صاحب رسول الله ما هذا الذي يحدثون والله عز وجل يقول‏:‏ ‏"‏إنك من تدخل النار فقد أخزيته‏"‏ ‏(‏آل عمران- 192‏)‏ و ‏"‏كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها‏"‏ ‏(‏السجدة- 20‏)‏‏؟‏ فقال لي‏:‏ يا فتى تقرأ القرآن‏؟‏ قلت‏:‏ نعم قال‏:‏ هل سمعت بمقام محمد المحمود الذي يبعثه الله فيه‏؟‏ قلت‏:‏ نعم قال‏:‏ فإنه مقام محمد المحمود الذي يخرج الله به من يخرج من النار ثم نعت وضع الصراط ومر الناس عليه وأن قوما يخرجون من النار بعدما يكونون فيها قال‏:‏ فرجعنا وقلنا أترون هذا الشيخ يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏

وروي عن أبي وائل عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إن الله عز وجل اتخذ إبراهيم خليلا وإن صاحبكم حبيب الله وأكرم الخلق على الله‏"‏ ثم قرأ‏:‏ ‏{‏عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا‏}‏ قال‏:‏ يقعد على العرش‏.‏

وعن مجاهد في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا‏}‏ قال‏:‏ يجلسه على العرش‏.‏

وعن عبد الله بن سلام قال‏:‏ يقعده على الكرسي‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏80‏]‏

‏{‏وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا ‏(‏80‏)‏‏}‏‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ‏}‏ والمراد من المدخل والمخرج‏:‏ الإدخال والإخراج واختلف أهل التفسير فيه‏:‏

فقال ابن عباس والحسن وقتادة‏:‏ ‏"‏أدخلني مدخل صدق‏"‏‏:‏ المدينة‏.‏ ‏"‏وأخرجني مخرج صدق‏"‏‏:‏ مكة، نزلت حين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة‏.‏

وقال الضحاك‏:‏ ‏"‏وأخرجني مخرج صدق‏"‏‏:‏ من مكة آمنا من المشركين ‏"‏وأدخلني مدخل صدق‏"‏‏:‏ مكة ظاهرا عليها بالفتح‏.‏

وقال مجاهد‏:‏ أدخلني في أمرك الذي أرسلتني به من النبوة مدخل صدق الجنة وأخرجني من الدنيا وقد قمت بما وجب علي من حقها مخرج صدق‏.‏

وعن الحسن أنه قال‏:‏ ‏"‏أدخلني مدخل صدق‏"‏‏:‏ الجنة ‏"‏وأخرجني مخرج صدق‏"‏‏:‏ من مكة‏.‏

وقيل‏:‏ أدخلني في طاعتك وأخرجني من المناهي وقيل‏:‏ معناه أدخلني حيث ما أدخلتني بالصدق وأخرجني بالصدق، أي‏:‏ لا تجعلني ممن يدخل بوجه ويخرج بوجه فإن ذا الوجهين لا يكون آمنا ووجيها عند الله‏.‏

ووصف الإدخال والإخراج بالصدق لما يؤول إليه الخروج والدخول من النصر والعز ودولة الدين كما وصف القدم بالصدق فقال‏:‏ ‏"‏أن لهم قدم صدق عند ربهم‏"‏ ‏(‏يونس- 2‏)‏‏.‏

‏{‏وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا‏}‏ قال مجاهد‏:‏ حجة بينة وقال الحسن‏:‏ ملكا قويا تنصرني به على من ناوأني وعزا ظاهرا أقيم به دينك‏.‏ فوعده الله لينزعن ملك فارس والروم وغيرهما فيجعله له‏.‏

قال قتادة‏:‏ علم نبي الله صلى الله عليه وسلم أن لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان نصير فسأل سلطانا نصيرا‏:‏ كتاب الله وحدوده وإقامة دينه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏81‏]‏

‏{‏وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ‏(‏81‏)‏‏}‏‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ‏}‏ يعني القرآن ‏{‏وَزَهَقَ الْبَاطِلُ‏}‏ أي‏:‏ الشيطان قال قتادة وقال السدي‏:‏ ‏"‏الحق‏"‏‏:‏ الإسلام و‏"‏الباطل‏"‏‏:‏ الشرك وقيل‏:‏ ‏"‏الحق‏"‏‏:‏ عبادة الله و‏"‏الباطل‏"‏‏:‏ عبادة الأصنام‏.‏

‏{‏إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا‏}‏ ذاهبا يقال‏:‏ زهقت نفسه أي خرجت‏.‏

أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي حدثنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا صدقة بن الفضل حدثنا ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أبي معمر عن عبد الله قال‏:‏ دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب فجعل يطعنها بعود في يده ويقول‏:‏ ‏"‏جاء الحق وزهق الباطل‏"‏ ‏"‏جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد‏"‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏82- 83‏]‏

‏{‏وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا ‏(‏82‏)‏ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا ‏(‏83‏)‏‏}‏‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ‏}‏ قيل‏:‏ ‏"‏من‏"‏ ليس للتبعيض ومعناه‏:‏ وننزل من القرآن ما كله شفاء أي‏:‏ بيان من الضلالة والجهالة يتبين به المختلف ويتضح به المشكل ويستشفى به من الشبهة ويهتدى به من الحيرة فهو شفاء القلوب بزوال الجهل عنها ورحمة للمؤمنين‏.‏

‏{‏وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا‏}‏ لأن الظالم لا ينتفع به والمؤمن من ينتفع به فيكون رحمة له‏.‏

وقيل‏:‏ زيادة الخسارة للظالم من حيث أن كل آية تنزل يتجدد منهم تكذيب ويزداد لهم خسارة‏.‏

قال قتادة‏:‏ لم يجالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان قضى الله الذي قضى شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإنْسَانِ أَعْرَضَ‏}‏ عن ذكرنا ودعائنا ‏{‏وَنَأَى بِجَانِبِهِ‏}‏ أي تباعد عنا بنفسه أي ترك التقرب إلى الله بالدعاء وقال عطاء‏:‏ تعظم وتكبر ويكسر النون والهمزة حمزة والكسائي ويفتح النون ويكسر الهمزة أبو بكر وقرأ ابن عامر وأبو جعفر ‏"‏وناء‏"‏ مثل جاء قيل‏:‏ هو بمعنى نأى وقيل‏:‏ ناء من النوء وهو النهوض والقيام‏.‏

‏{‏وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ‏}‏ الشدة والضرر ‏{‏كَانَ يَئُوسًا‏}‏ أي آيسا قنوطا‏.‏ وقيل‏:‏ معناه أنه يتضرع ويدعو عند الضر والشدة فإذا تأخرت الإجابة يئس ولا ينبغي للمؤمن أن ييأس من الإجابة وإن تأخرت فيدع الدعاء‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏84- 85‏]‏

‏{‏قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلا ‏(‏84‏)‏ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا ‏(‏85‏)‏‏}‏‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ على ناحيته‏.‏

قال الحسن وقتادة على نيته‏.‏

وقال مقاتل‏:‏ على خليقته‏.‏

قال الفراء على طريقته التي جبل عليها‏.‏

وقال القتيبي‏:‏ على طبيعته وجبلته‏.‏

وقيل‏:‏ على السبيل الذي اختاره لنفسه وهو من الشكل يقال‏:‏ لست على شكلي ولا شاكلتي وكلها متقاربة تقول العرب‏:‏ طريق ذو شواكل إذا تشعبت منه الطرق‏.‏ ومجاز الآية‏:‏ كل يعمل على ما يشبهه كما يقال في المثل‏:‏ كل امرئ يشبهه فعله‏.‏

‏{‏فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلا‏}‏ أوضح طريقا‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي‏}‏ الآية‏.‏

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا قيس بن حفص حدثنا عبد الواحد- يعني ابن زياد- حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال‏:‏ بينا أنا أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرث المدينة وهو يتوكأ على عسيب معه فمر بنفر من اليهود فقال بعضهم لبعض‏:‏ سلوه عن الروح وقال بعضهم‏:‏ لا تسألوه لا يجيء فيه بشيء تكرهونه فقال بعضهم لنسألنه فقام رجل منهم فقال‏:‏ يا أبا القاسم ما الروح‏؟‏ فسكت فقلت‏:‏ إنه يوحى إليه فقمت فلما انجلى عنه الوحي قال‏:‏ ‏{‏وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا‏}‏ قال الأعمش‏:‏ هكذا في قراءتنا‏.‏

وروي عن ابن عباس أنه قال‏:‏ إن قريشا قد اجتمعوا وقالوا‏:‏ إن محمدا نشأ فينا بالأمانة والصدق وما اتهمناه بكذب وقد ادعى ما ادعى فابعثوا نفرا إلى اليهود بالمدينة واسألوهم عنه فإنهم أهل كتاب فبعثوا جماعة إليهم فقالت اليهود‏:‏ سلوه عن ثلاثة أشياء فإن أجاب عن كلها أو لم يجب عن شيء منها فليس بنبي وإن أجاب عن اثنين ولم يجب عن واحدة فهو نبي فسلوه عن فتية فقدوا في الزمن الأول ما كان من أمرهم‏؟‏ فإنه كان لهم حديث عجيب وعن رجل بلغ شرق الأرض وغربها ما خبره وعن الروح‏؟‏ فسألوه فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ أخبركم بما سألتم غدا ولم يقل إن شاء الله فلبث الوحي- قال مجاهد‏:‏ اثني عشرة ليلة وقيل‏:‏ خمسة عشر يوما وقال عكرمة‏:‏ أربعين يوما- وأهل مكة يقولون‏:‏ وعدنا محمد غدا وقد أصبحنا لا يخبرنا بشيء حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم من مكث الوحي وشق عليه ما يقوله أهل مكة ثم نزل جبريل بقوله‏:‏ ‏"‏ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله‏"‏ ونزل في قصة الفتية ‏"‏أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا‏"‏ ونزل فيمن بلغ الشرق والغرب ‏"‏ويسئلونك عن ذي القرنين‏"‏ ونزل في الروح ‏"‏ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي‏"‏‏.‏

واختلفوا في الروح الذي وقع السؤال عنه فروي عن ابن عباس‏:‏ أنه جبريل وهو قول الحسن وقتادة‏.‏

وروي عن علي أنه قال‏:‏ هو ملك له سبعون ألف وجه لكل وجه سبعون ألف لسان يسبح الله تعالى بكلها‏.‏

وقال مجاهد‏:‏ خلق على صور بني آدم لهم أيد وأرجل ورءوس وليسوا بملائكة ولا ناس يأكلون الطعام‏.‏

وقال سعيد بن جبير‏:‏ لم يخلق الله تعالى خلقا أعظم من الروح غير العرش لو شاء أن يبتلع السموات السبع والأرضين السبع ومن فيها بلقمة واحدة لفعل صورة خلقه على صورة خلق الملائكة وصورة وجهه على صورة الآدميين يقوم يوم القيامة عن يمين العرش وهو أقرب الخلق إلى الله عز وجل اليوم عند الحجب السبعين وأقرب إلى الله يوم القيامة وهو ممن يشفع لأهل التوحيد ولولا أن بينه وبين الملائكة سترا من نور لاحترق أهل السموات من نوره‏.‏

وقيل‏:‏ الروح هو القرآن‏.‏

وقيل‏:‏ المراد منه عيسى عليه السلام فإنه روح الله وكلمه ومعناه‏:‏ أنه ليس كما يقول اليهود ولا كما يقوله النصارى‏.‏

وقال قوم‏:‏ هو الروح المركب في الخلق الذي يحيا به الإنسان وهو الأصح‏.‏

وتكلم فيه قوم فقال بعضهم‏:‏ هو الدم ألا ترى أن الحيوان إذا مات لا يفوت منه شيء إلا الدم‏؟‏

وقال قوم‏:‏ هو نفس الحيوان بدليل أنه يموت باحتباس النفس‏.‏

وقال قوم‏:‏ هو عرض‏.‏

وقال قوم‏:‏ هو جسم لطيف‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ الروح معنى اجتمع فيه النور والطيب والعلو والبقاء ألا ترى أنه إذا كان موجودا يكون الإنسان موصوفا بجميع هذه الصفات فإذا خرج ذهب الكل‏؟‏

وأولى الأقاويل‏:‏ أن يوكل علمه إلى الله عز وجل وهو قول أهل السنة‏.‏ قال عبد الله بن بريدة‏:‏ إن الله لم يطلع على الروح ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا‏.‏

وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي‏}‏ قيل من علم ربي‏.‏

‏{‏وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا‏}‏ أي‏:‏ في جنب علم الله قيل هذا خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم‏.‏

وقيل‏:‏ خطاب لليهود لأنهم كانوا يقولون أوتينا التوراة وفيها العلم الكثير‏.‏

وقيل‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم معنى الروح ولكن لم يخبر به أحدا لأن ترك إخباره به كان علما لنبوته‏.‏

والأول أصح لأن الله عز وجل استأثر بعلمه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏86‏]‏

‏{‏وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلا ‏(‏86‏)‏‏}‏‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ‏}‏ يعني القرآن‏.‏ معناه‏:‏ إنا كما منعنا علم الروح عنك وعن غيرك لو شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك يعني القرآن ‏{‏ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلا‏}‏ أي‏:‏ من يتوكل برد القرآن إليك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏87- 88‏]‏

‏{‏إِلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا ‏(‏87‏)‏ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ‏(‏88‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏إِلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ‏}‏ هذا استثناء منقطع معناه‏:‏ ولكن لا نشاء ذلك رحمة من ربك‏.‏

‏{‏إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا‏}‏ فإن قيل‏:‏ كيف يذهب القرآن وهو كلام الله عز وجل‏؟‏

قيل‏:‏ المراد منه‏:‏ محوه من المصاحف وإذهاب ما في الصدور‏.‏

وقال عبد الله بن مسعود‏:‏ اقرؤوا القرآن قبل أن يرفع فإنه لا تقوم الساعة حتى يرفع‏.‏ قيل‏:‏ هذه المصاحف ترفع فكيف بما في صدور الناس‏؟‏ قال يسري عليه ليلا فيرفع ما في صدورهم فيصبحون لا يحفظون شيئا ولا يجدون في المصاحف شيئا ثم يفيضون في الشعر‏.‏

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال‏:‏ لا تقوم الساعة حتى يرجع القرآن من حيث نزل له دوي حول العرش كدوي النحل فيقول الرب ما لك وهو أعلم‏؟‏ فيقول‏:‏ يا رب أتلى ولا يعمل بي‏.‏ قوله جل وعلا ‏{‏قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ‏}‏ لا يقدرون على ذلك ‏{‏وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا‏}‏ عونا ومظاهرا‏.‏

نزلت حين قال الكفار‏:‏ لو نشاء لقلنا مثل هذا فكذبهم الله تعالى

فالقرآن معجز في النظم والتأليف والإخبار عن الغيوب وهو كلام في أعلى طبقات البلاغة لا يشبه كلام الخلق لأنه غير مخلوق ولو كان مخلوقا لأتوا بمثله

تفسير الآيات رقم ‏[‏89- 90‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا ‏(‏89‏)‏ وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا ‏(‏90‏)‏‏}‏‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ‏}‏ من كل وجه من العبر والأحكام والوعد والوعيد وغيرها ‏{‏فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا‏}‏ جحودا‏.‏ قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ‏}‏ لن نصدقك ‏{‏حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا‏}‏ قرأ أهل الكوفة ويعقوب ‏"‏ تفجر ‏"‏ بفتح التاء وضم الجيم مخففا لأن الينبوع واحد وقرأ الباقون بالتشديد من التفجير واتفقوا على تشديد قوله‏:‏ ‏{‏فَتُفَجِّرَ الأنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا‏}‏ لأن الأنهار جمع والتشديد يدل على التكثير ولقوله ‏"‏تفجيرا‏"‏ من بعد‏.‏

وروى عكرمة عن ابن عباس‏:‏ أن عتبة وشيبة ابني ربيعة وأبا سفيان بن حرب والنضر بن الحارث وأبا البختري بن هشام والأسود بن عبد المطلب وزمعة بن الأسود والوليد بن المغيرة وأبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية وأمية بن خلف والعاص بن وائل ونبيها ومنبها ابني الحجاج اجتمعوا ومن اجتمع معهم بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة فقال بعضهم لبعض‏:‏ ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه فبعثوا إليه أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعا وهو يظن أنه بدا لهم في أمره بدء وكان عليهم حريصا يحب رشدهم حتى جلس إليهم فقالوا‏:‏ يا محمد إنا بعثنا إليك لنعذر فيك وإنا والله لا نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك لقد شتمت الآباء وعبت الدين وسفهت الأحلام وشتمت الآلهة وفرقت الجماعة فما بقي أمر قبيح إلا وقد جئته فيما بينك وبيننا فإن كنت جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جعلنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا وإن كنت تطلب الشرف سودناك علينا وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا وإن كان هذا الأمر الذي بك رئي تراه حتى قد غلب عليك لا تستطيع رده بذلنا لك أموالنا في طلب الطب حتى نبرئك منه أو نعذر فيك وكانوا يسمون التابع من الجن‏:‏ الرئي‏.‏

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما بي ما تقولون ما جئتكم بما جئتكم به لطلب أموالكم ولا الشرف عليكم ولا الملك عليكم ولكن الله بعثني إليكم رسولا وأنزل علي كتابا وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم فإن تقبلوا مني فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم‏.‏

فقالوا‏:‏ يا محمد إن كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك فقد علمت أنه ليس أحد أضيق منا بلادا ولا أشد منا عيشا فسل لنا ربك الذي بعثك فليسير عنا هذه الجبال فقد ضيقت علينا ويبسط لنا بلادنا ويفجر فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق وليبعث لنا من مضى من آبائنا وليكن منهم قصي بن كلاب فإنه كان شيخا صدوقا فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل‏؟‏ فإن صدقوك صدقناك‏.‏

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بهذا بعثت فقد بلغتكم ما أرسلت به فإن تقبلوه مني فهوحظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه أصبر لأمر الله‏.‏

قالوا‏:‏ فإن لم تفعل هذا فسل ربك أن يبعث لنا ملكا يصدقك، واسأله أن يجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه‏.‏

فقال‏:‏ ما بعثت بهذا ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا‏.‏

قالوا‏:‏ فأسقط السماء كما زعمت إن ربك لو شاء فعل‏.‏

فقال‏:‏ ذلك إلى الله إن شاء فعل ذلك بكم فعله‏.‏

وقال قائل منهم‏:‏ لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلا‏.‏

فلما قالوا ذلك قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام معه عبد الله بن أبي أمية وهو ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب فقال‏:‏ يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا عليك فلم تقبله منهم ثم سألوك لأنفسهم أمورا يعرفون بها منزلتك من الله تعالى فلم تفعل ثم سألوك أن تعجل ما تخوفهم به من العذاب فلم تفعل فوالله لا أؤمن لك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلما ترقى فيها وأنا أنظر حتى تأتيها وتأتي بنسخة منشورة معك ونفر من الملائكة يشهدون لك بما تقول وايم الله لو فعلت ذلك لظننت أن لا أصدقك فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزينا لما رأى من مباعدتهم فأنزل الله تعالى ‏{‏وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرْضِ‏}‏ يعني‏:‏ أرض مكة ‏{‏يَنْبُوعًا‏}‏ أي‏:‏ عيونا‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏91‏]‏

‏{‏أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا ‏(‏91‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ‏}‏ بستان ‏{‏مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا‏}‏ تشقيقا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏92- 93‏]‏

‏{‏أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلا ‏(‏92‏)‏ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلا بَشَرًا رَسُولا ‏(‏93‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا‏}‏ قرأ نافع وابن عامر وعاصم بفتح السين أي‏:‏ قطعا وهي جمع ‏"‏كسفة‏"‏ وهي‏:‏ القطعة والجانب مثل‏:‏ كسرة وكسر‏.‏ وقرأ الآخرون بسكون السين على التوحيد وجمعه أكساف وكسوف أي‏:‏ تسقطها طبقا واحدا وقيل‏:‏ أراد جانبها علينا وقيل‏:‏ معناه أيضا القطع وهي جمع التكسير مثل سدرة وسدر في الشعراء وسبأ ‏{‏كِسَفًا‏}‏ بالفتح حفص وفي الروم ساكنة أبو جعفر وابن عامر‏.‏

‏{‏أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلا‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ كفيلا أي‏:‏ يكفلون بما تقول وقال الضحاك‏:‏ ضامنا وقال مجاهد‏:‏ هو جمع القبيلة أي‏:‏ بأصناف الملائكة قبيلة قبيلة وقال قتادة‏:‏ عيانا أي‏:‏ تراهم القابلة أي معاينة وقال الفراء‏:‏ هو من قول العرب لقيت فلانا قبيلا وقبيلا أي‏:‏ معاينة‏.‏ ‏{‏أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ‏}‏ أي‏:‏ من ذهب وأصله الزينة ‏{‏أَوْ تَرْقَى‏}‏ تصعد ‏{‏فِي السَّمَاءِ‏}‏ هذا قول عبد الله بن أبي أمية ‏{‏وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ‏}‏ لصعودك ‏{‏حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ‏}‏ أمرنا فيه باتباعك ‏{‏قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي‏}‏ وقرأ ابن كثير وابن عامر ‏"‏ قال ‏"‏ يعني محمدا وقرأ الآخرون على الأمر أي‏:‏ قل يا محمد ‏{‏هَلْ كُنْتُ إِلا بَشَرًا رَسُولا‏}‏ أمره بتنزيهه وتمجيده على معنى أنه لو أراد أن ينزل ما طلبوا لفعل ولكن الله لا ينزل الآيات على ما يقترحه البشر وما أنا إلا بشر وليس ما سألتم في طوق البشر‏.‏

واعلم أن الله تعالى قد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم من الآيات والمعجزات ما يغني عن هذا كله مثل‏:‏ القرآن وانشقاق القمر وتفجير العيون من بين الأصابع وما أشبهها والقوم عامتهم كانوا متعنتين لم يكن قصدهم طلب الدليل ليؤمنوا فرد الله عليهم سؤالهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏94- 97‏]‏

‏{‏وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولا ‏(‏94‏)‏ قُلْ لَوْ كَانَ فِي الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولا ‏(‏95‏)‏ قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ‏(‏96‏)‏ وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ‏(‏97‏)‏‏}‏‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلا أَنْ قَالُوا‏}‏ جهلا منهم ‏{‏أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولا‏}‏ أراد‏:‏ أن الكفار كانوا يقولون لن نؤمن لك لأنك بشر وهلا بعث الله إلينا ملكا‏؟‏ فأجابهم الله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ لَوْ كَانَ فِي الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ‏}‏ ‏{‏قُلْ لَوْ كَانَ فِي الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ‏}‏ مستوطنين مقيمين ‏{‏لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولا‏}‏ من جنسهم لأن القلب إلى الجنس أميل منه إلى غير الجنس‏.‏ ‏{‏قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ‏}‏ أني رسول الله إليكم ‏{‏إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا‏}‏ قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ‏}‏ يهدونهم ‏{‏وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ‏}‏‏.‏

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا الحسن بن شجاع الصوفي المعروف بابن الموصلي أنبأنا أبو بكر بن الهيثم حدثنا جعفر بن محمد الصائغ حدثنا حسين بن محمد حدثنا سفيان عن قتادة عن أنس أن رجلا قال‏:‏ يا رسول الله كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة‏؟‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إن الذي أمشاه على رجليه قادر على أن يمشيه على وجهه‏"‏‏.‏

وجاء في الحديث‏:‏ ‏"‏إنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك‏"‏‏.‏ ‏{‏عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا‏}‏‏.‏

فإن قيل‏:‏ كيف وصفهم بأنهم عمي وبكم وصم وقد قال‏:‏ ‏"‏ورأى المجرمون النار‏"‏ ‏(‏الكهف- 53‏)‏ وقال‏:‏ ‏"‏دعوا هنالك ثبورا‏"‏ ‏(‏الفرقان- 13‏)‏ وقال‏:‏ ‏"‏سمعوا لها تغيظا وزفيرا‏"‏ ‏(‏الفرقان- 12‏)‏ أثبت الرؤية والكلام والسمع‏؟‏

قيل‏:‏ يحشرون على ما وصفهم الله ثم تعاد إليهم هذه الأشياء‏.‏

وجواب آخر قال ابن عباس‏:‏ عميا لا يرون ما يسرهم بكما لا ينطقون بحجة صما لا يسمعون شيئا يسرهم‏.‏

وقال الحسن‏:‏ هذا حين يساقون إلى الموقف إلى أن يدخلوا النار‏.‏

وقال مقاتل‏:‏ هذا حين يقال لهم‏:‏ ‏"‏اخسئوا فيها ولا تكلمون‏"‏ ‏(‏المؤمنون- 108‏)‏ فيصيرون بأجمعهم عميا وبكما وصما لا يرون ولا ينطقون ولا يسمعون ‏{‏مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ كلما سكنت أي سكن لهيبها وقال مجاهد‏:‏ طفئت وقال قتادة‏:‏ ضعفت وقيل‏:‏ هو الهدوّ من غير أن يوجد نقصان في ألم الكفار لأن الله تعالى قال‏:‏ ‏"‏لا يفتر عنهم‏"‏ ‏(‏الزخرف- 75‏)‏ وقيل ‏"‏كلما خبت‏"‏ أي‏:‏ أرادت أن تخبو ‏{‏زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا‏}‏ أي‏:‏ وقودا‏.‏

وقيل‏:‏ المراد من قوله‏:‏ ‏{‏كُلَّمَا خَبَتْ‏}‏ أي‏:‏ نضجت جلودهم واحترقت أعيدوا فيها إلى ما كانوا عليه وزيد في تسعير النار لتحرقهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏98- 99‏]‏

‏{‏ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا ‏(‏98‏)‏ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلا لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلا كُفُورًا ‏(‏99‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا‏}‏ فأجابهم الله تعالى فقال‏:‏ ‏{‏أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ‏}‏ ‏{‏أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ‏}‏ في عظمتها وشدتها ‏{‏قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ‏}‏ في صغرهم وضعفهم نظيره قوله تعالى‏:‏ ‏"‏لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس‏"‏ ‏(‏غافر- 57‏)‏‏.‏

‏{‏وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلا‏}‏ أي‏:‏ وقتا لعذابهم ‏{‏لا رَيْبَ فِيهِ‏}‏ أنه يأتيهم قيل‏:‏ هو الموت وقيل‏:‏ هو يوم القيامة ‏{‏فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلا كُفُورًا‏}‏ أي‏:‏ جحودا وعنادا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏100- 101‏]‏

‏{‏قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفَاقِ وَكَانَ الإنْسَانُ قَتُورًا ‏(‏100‏)‏ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لأظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا ‏(‏101‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي‏}‏ أي‏:‏ نعمة ربي وقيل‏:‏ رزق ربي ‏{‏إِذًا لأمْسَكْتُمْ‏}‏ لبخلتم وحبستم ‏{‏خَشْيَةَ الإنْفَاقِ‏}‏ أي‏:‏ خشية الفاقة قاله قتادة‏.‏

وقيل‏:‏ خشية النفاد يقال‏:‏ أنفق الرجل أي أملق وذهب ماله ونفق الشيء أي‏:‏ ذهب‏.‏

وقيل‏:‏ لأمسكتم عن الإنفاق خشية الفقر‏.‏

‏{‏وَكَانَ الإنْسَانُ قَتُورًا‏}‏ أي‏:‏ بخيلا ممسكا عن الإنفاق‏.‏ قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ‏}‏ أي‏:‏ دلالات واضحات فهي الآيات التسع‏.‏

قال ابن عباس والضحاك‏:‏ هي العصا واليد البيضاء والعقدة التي كانت بلسانه فحلها وفلق البحر والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم‏.‏

وقال عكرمة وقتادة ومجاهد وعطاء‏:‏ هي الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والعصا واليد والسنون ونقص الثمرات‏.‏

وذكر محمد بن كعب القرظي‏:‏ الطمس والبحر بدل السنين ونقص من الثمرات قال‏:‏ فكان الرجل منهم مع أهله في فراشه وقد صار حجرين والمرأة منهم قائمة تخبز وقد صارت حجرا‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ هن آيات الكتاب‏.‏

أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي أخبرني الحسن بن محمد الثقفي أخبرنا هارون بن محمد بن هارون العطار أنبأنا يوسف بن عبد الله بن ماهان حدثنا الوليد الطيالسي حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن مسلمة عن صفوان بن عسال المرادي أن يهوديا قال لصاحبه‏:‏ تعال حتى نسأل هذا النبي فقال الآخر‏:‏ لا تقل نبي فإنه لو سمع صارت أربعة أعين فأتياه فسألاه عن هذه الآية‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ‏}‏ فقال لا تشركوا بالله شيئا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تزنوا ولا تأكلوا الربا ولا تسحروا ولا تمشوا بالبرىء إلى سلطان ليقتله ولا تسرفوا ولا تقذفوا المحصنة ولا تفروا من الزحف وعليكم خاصة اليهود أن لا تعدوا في السبت فقبلا يده وقالا نشهد أنك نبي قال‏:‏ فما يمنعكم أن تتبعوني‏؟‏ قالا إن داود دعا ربه أن لا يزال في ذريته نبي وإنا نخاف إن تبعناك أن يقتلنا اليهود‏.‏

‏{‏فَاسْأَلْ‏}‏ يا محمد ‏{‏بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ‏}‏ موسى يجوز أن يكون الخطاب معه والمراد غيره ويجوز أن يكون خاطبه عليه السلام وأمره بالسؤال ليتبين كذبهم مع قومهم‏.‏ ‏{‏فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لأظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا‏}‏ أي‏:‏ مطبوبا سحروك قاله الكلبي‏.‏

وقال ابن عباس‏:‏ مخدوعا‏.‏

وقيل مصروفا عن الحق‏.‏

وقال الفراء وأبو عبيدة‏:‏ ساحرا فوضع المفعول موضع الفاعل‏.‏

وقال محمد بن جرير‏:‏ معطى علم السحر فهذه العجائب التي تفعلها من سحرك‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏102‏]‏

‏{‏قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لأظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا ‏(‏102‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏قَالَ‏}‏ موسى ‏{‏لَقَدْ عَلِمْتَ‏}‏ قرأ العامة بفتح التاء خطابا لفرعون وقرأ الكسائي بضم التاء ويروى ذلك عن علي وقال‏:‏ لم يعلم الخبيث أن موسى على الحق ولو علم لآمن ولكن موسى هو الذي علم قال ابن عباس‏:‏ علمه فرعون ولكنه عاند قال الله تعالى‏:‏ ‏"‏وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا‏"‏ ‏(‏النمل- 14‏)‏‏.‏

وهذه القراءة وهي نصب التاء أصح في المعنى وعليه أكثر القراء لأن موسى لا يحتج عليه بعلم نفسه ولا يثبت عن علي رفع التاء لأنه روي عن رجل من مراد عن علي وذلك أن الرجل مجهول ولم يتمسك بها أحد من القراء غير الكسائي‏.‏

‏{‏مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ‏}‏ هذه الآيات التسع ‏{‏إِلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ بَصَائِرَ‏}‏ جمع بصيرة أي يبصر بها‏.‏

‏{‏وَإِنِّي لأظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ ملعونا‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ هالكا وقال قتادة‏:‏ مهلكا‏.‏ وقال الفراء‏:‏ أي مصروفا ممنوعا عن الخير‏.‏ يقال‏:‏ ما ثبرك عن هذا الأمر أي ما منعك وصرفك عنه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏103- 106-‏]‏

‏{‏فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الأرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا ‏(‏103‏)‏ وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا ‏(‏104‏)‏ وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ‏(‏105‏)‏ وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلا ‏(‏106‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ‏}‏ أي‏:‏ أراد فرعون أن يستفز موسى وبني إسرائيل أي‏:‏ يخرجهم ‏{‏مِنَ الأرْضِ‏}‏ يعني‏:‏ أرض مصر ‏{‏فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا‏}‏ ونجينا موسى وقومه‏.‏ ‏{‏وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ‏}‏ أي من بعد هلاك فرعون ‏{‏لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ‏}‏ يعني أرض مصر والشام ‏{‏فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ‏}‏ يعني يوم القيامة ‏{‏جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا‏}‏ أي‏:‏ جميعا إلى موقف القيامة واللفيف‏:‏ الجمع الكثير إذا كانوا مختلطين من كل نوع‏.‏ يقال‏:‏ لفت الجيوش إذا اختلطوا وجمع القيامة كذلك فيهم المؤمن والكافر والبر والفاجر‏.‏

وقال الكلبي‏:‏ ‏"‏فإذا جاء وعد الآخرة‏"‏‏:‏ يعني مجيء عيسى من السماء ‏"‏جئنا بكم لفيفا‏"‏ أي‏:‏ النزاع من كل قوم من هاهنا ومن هاهنا لفوا جميعا‏.‏ قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ‏}‏ يعني القرآن ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا مُبَشِّرًا‏}‏ للمطيعين ‏{‏وَنَذِيرًا‏}‏ للعاصين‏.‏ ‏{‏وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ‏}‏ قيل‏:‏ معناه‏:‏ أنزلناه نجوما لم ينزل مرة واحدة بدليل قراءة ابن عباس‏:‏ ‏{‏وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ‏}‏ بالتشديد وقراءة العامة بالتخفيف أي‏:‏ فصلناه وقيل‏:‏ بيناه وقال الحسن‏:‏ معناه فرقنا به بين الحق والباطل ‏{‏لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ‏}‏ أي‏:‏ على تؤدة وترتيل وترسل في ثلاث وعشرين سنة ‏{‏وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلا‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏107- 109‏]‏

‏{‏قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ سُجَّدًا ‏(‏107‏)‏ وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولا ‏(‏108‏)‏ وَيَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ‏(‏109‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا‏}‏ هذا على طريق الوعيد والتهديد ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ‏}‏ قيل‏:‏ هم مؤمنوا أهل الكتاب وهم الذين كانوا يطلبون الدين قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أسلموا بعد مبعثه مثل زيد بن عمر بن نفيل وسلمان الفارسي وأبي ذر وغيرهم‏.‏

‏{‏إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ‏}‏ يعني‏:‏ القرآن ‏{‏يَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ‏}‏ أي‏:‏ يسقطون على الأذقان قال ابن عباس‏:‏ أراد بها الوجوه ‏{‏سُجَّدًا‏}‏ ‏{‏وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولا‏}‏ أي‏:‏ كائنا واقعا‏.‏ ‏{‏وَيَخِرُّونَ لِلأذْقَانِ يَبْكُونَ‏}‏ أي‏:‏ يقعون على الوجوه يبكون، البكاء مستحب عند قراءة القرآن ‏{‏وَيَزِيدُهُمْ‏}‏ نزول القرآن ‏{‏خُشُوعًا‏}‏ خضوعا لربهم‏.‏ نظيره قوله تعالى‏:‏ ‏"‏إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا‏"‏ ‏(‏مريم- 58‏)‏‏.‏

أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو عمرو بن بكر بن محمد المزني حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله الجنيد حدثنا الحسن بن الفضل البجلي أخبرنا عاصم عن علي بن عاصم حدثنا المسعودي هو عبد الرحمن بن عبد الله عن محمد بن عبد الرحمن مولى أبي طلحة عن عيسى بن طلحة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لا يلج النار من بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في منخري مسلم أبدا‏"‏‏.‏

أخبرنا أبو القاسم بن عبد الكريم بن هوازن القشيري أخبرنا أبو القاسم عبد الخالق بن علي بن عبد الخالق المؤذن أخبرنا أحمد بن بكر بن محمد بن حمدان حدثنا محمد بن يونس الكديمي أنبأنا عبد الله بن محمد الباهلي حدثنا أبو حبيب الغنوي حدثنا بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏حرمت النار على ثلاث أعين‏:‏ عين بكت من خشية الله وعين سهرت في سبيل الله وعين غضت عن محارم الله‏"‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏110‏]‏

‏{‏قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا ‏(‏110‏)‏‏}‏‏.‏

قوله عز وجل ‏{‏قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ذات ليلة فجعل يبكي ويقول في سجوده‏:‏ يا الله يا رحمن فقال أبو جهل‏:‏ إن محمدا ينهانا عن آلهتنا وهو يدعو إلهين‏!‏ فأنزل الله تعالى هذه الآية‏.‏ ومعناه‏:‏ أنهما اسمان لواحد‏.‏

‏{‏أَيًّا مَا تَدْعُوا‏}‏ ‏"‏ما‏"‏ صلة معناه‏:‏ أيا ما تدعوا من هذين الاسمين ومن جميع أسمائه ‏{‏فَلَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى‏}‏‏.‏

‏{‏وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا‏}‏ أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنبأنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا هشيم حدثنا أبو بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا‏}‏ قال‏:‏ نزلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم مختف بمكة كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن فإذا سمعه المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ‏}‏ أي بقراءتك فيسمع المشركون فيسبوا القرآن ولا تخافت بها عن أصحابك فلا تسمعهم‏:‏

‏{‏وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا‏}‏‏.‏

وبهذا الإسناد عن محمد بن إسماعيل قال‏:‏ حدثنا مسدد عن هشيم عن أبي بشر بإسناده مثله وزاد ‏{‏وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا‏}‏ أسمعهم ولا تجهر حتى يأخذوا عنك القرآن‏.‏

وقال قوم‏:‏ الآية في الدعاء وهو قول عائشة رضي الله عنها والنخعي ومجاهد ومكحول‏:‏ أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا طلق بن غنام حدثنا زائدة عن هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها في قوله‏:‏ ‏"‏ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها‏"‏ قالت‏:‏ أنزل ذلك في الدعاء‏.‏

وقال عبد الله بن شداد‏:‏ كان أعراب من بني تميم إذا سلم النبي صلى الله عليه وسلم قالوا‏:‏ ‏"‏اللهم ارزقنا مالا وولدا فيجهرون بذلك فأنزل الله هذه الآية‏:‏ ‏{‏وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ‏}‏ أي‏:‏ لا ترفع صوتك بقراءتك أو بدعائك ولا تخافت بها‏.‏

والمخافتة‏:‏ خفض الصوت والسكوت ‏"‏وابتغ بين ذلك سبيلا‏"‏ أي‏:‏ بين الجهر والإخفاء‏.‏

أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الخزاعي أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي حدثنا أبو عيسى الترمذي حدثنا محمود بن غيلان حدثنا يحيى بن إسحاق حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الله بن أبي رباح الأنصاري عن أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر‏:‏ ‏"‏مررت بك وأنت تقرأ وأنت تخفض من صوتك فقال‏:‏ إني أسمعت من ناجيت فقال‏:‏ ارفع قليلا وقال لعمر‏:‏ مررت بك وأنت تقرأ وأنت ترفع صوتك فقال إني أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان فقال اخفض قليلا‏"‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏111‏]‏

‏{‏وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ‏(‏111‏)‏‏}‏‏.‏

‏{‏وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا‏}‏ أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يحمده على وحدانيته ومعنى الحمد لله هو‏:‏ الثناء عليه بما هو أهله‏.‏

قال الحسين بن الفضل‏:‏ يعني‏:‏ الحمد لله الذي عرفني أنه لم يتخذ ولدا‏.‏

‏{‏وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ‏}‏ قال مجاهد‏:‏ لم يذل فيحتاج إلى ولي يتعزز به‏.‏

‏{‏وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا‏}‏ أي‏:‏ وعظمه عن أن يكون له شريك أو ولي‏.‏

أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أخبرنا الإمام أبو الطيب سهل بن محمد بن سليمان حدثنا أبو العباس الأصم حدثنا محمد بن يعقوب حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني حدثنا نضر بن حماد أبو الحارث الوراق حدثنا شعبة عن حبيب بن أبي ثابت قال‏:‏ سمعت سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏أول من يدعى إلى الجنة يوم القيامة الذين يحمدون الله في السراء والضراء‏"‏‏.‏

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو الحسن بن بشران أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار أخبرنا أحمد بن منصور الرمادي أنبأنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن قتادة أن عبد الله بن عمرو قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏الحمد لله رأس الشكر ما شكر الله عبد لا يحمده‏"‏‏.‏

أخبرنا أبو الفضل بن زياد بن محمد الحنفي أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أحمد الأنصاري أخبرنا أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد حدثنا يحيى بن خالد بن أيوب المخزومي حدثنا موسى بن إبراهيم بن كثير بن بشر الخزامي الأنصاري عن طلحة بن خراش عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إن أفضل الدعاء الحمد لله وأفضل الذكر لا إله إلا الله‏"‏‏.‏

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا عبد الرحمن بن أبي شريح أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي حدثنا علي بن الجعد حدثنا زهير حدثنا منصور عن هلال بن بشار عن الربيع بن عميلة عن سمرة بن جندب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏أحب الكلام إلى الله تعالى أربع‏:‏ لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله لا يضرك بأيهن بدأت‏"‏‏.‏